السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

آخر أخبار قناة العربية

آخر موضوعات المدونة

2012-06-25

الإسلام السياسي.. مطلوب رأسه عربيا ودوليا



الإسلام السياسي.. مطلوب رأسه عربيا ودوليا

إبراهيم بن محمد الحقيل


بسم الله الرحمن الرحيم

كانت الثورات العربية حدثا مفاجئا للسياسيين العرب، متوقعا للسياسيين الغربيين؛ ولذا تعامل الغربيون معها بواقعية وحرفية، وتخبط السياسيون العرب في التعامل معها حتى أودت بأربعة زعماء بين قتيل وحبيس ومنفي، وتحتهم جموع من أركان أنظمتهم بين قتيل وسجين ومطارد.

يرى بعض المفكرين أن هذه الثورات صنعها الغرب؛ لإحداث تغييرات في المجتمعات الإسلامية أو لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الفوضى الخلاقة، وفي ظني أن هذا خطأ؛ فلن يجد الغرب أشد إخلاصا له ولمشاريعه من الحكام المنزوعين عن عروشهم، والذين سينزعون فيما بعد، ولكن الغرب الصليبي معتن عناية بالغة بدراسة الشرق الإسلامي، ومراقبة شعوبه، وإجراء الدراسات الاستقرائية والإحصائية داخل المجتمعات المسلمة، وكان يعلم أن شعوب الشرق الإسلامي ستنفجر لكن لا يدري متى، وأعد خططه لمرحلة ما بعد العملاء؛ ولذا عاد إلى رشده بعد المفاجأة بالثورات، وتضامن سرّا مع عملائه، وسكت في العلن، حتى وضعت بعض الصحف اليهودية عنوانا إبان الثورة المصرية (السكوت من ذهب) وهي الوصية التي أوصى بها البيت الأبيض الساسة اليهود، فلما تبين لهم نجاح الثورة المصرية ركلوا عميلهم المخلص لهم، وتخلوا عنه، لأنه ورقة قد احترقت.

ولقد سمعت من أحد الدبلوماسيين قبل خمس سنوات تقريبا أن الدراسات الغربية تثبت أن أربع دول عربية على حافة انفجار وسمى: اليمن ومصر وسوريا والجزائر، والبقية ستكون تالية لها.

لقد فهم الغرب الشرق الإسلامي كما لم يفهمه الساسة العرب، واعتنى بدراسته عناية بالغة، فانكسار سبع حملات صليبية ضخمة فيه ليست عند الغرب شيئا هينا، ووقوف حوافر خيل الفاتحين المسلمين على التراب الأوربي حتى بلغت مشارف فينا في النمسا أمرا مفزعا لن ينساه الغرب الصليبي العلماني، وحكم المسلمين للأندلس قرونا طوالاً محفور في الذاكرة الغربية، وانكسار حملة نابليون في مصر قد أقنعت الغرب بعد المحاولة تلو المحاولة أن العالم الإسلامي لا يغزى من الخارج، ولا يحكمه غير أهله، فكانت مرحلة غرس العملاء، واصطناع البطولات لهم ليكونوا مقبولين شعبيا بعد مرحلة الغزو المباشر، ونحن الآن على مشارف مرحلة ثالثة يريد الغرب اصطناعها بعد انكشاف العملاء، والثورة عليهم، وهذه المرحلة هي مرحلة اصطناع إسلام ليبرالي يجمع بين الإسلام والقيم الغربية، وتسليم زمام الأمور لمن يمثلون هذا الإسلام؛ ولذا تجد تسابقا محموما بين التنويريين لأخذ مصافهم في الكراسي الجديدة، ومحاولة إقناع الغرب أنهم الأمثل لتمثيل هذا الإسلام الجديد، والقرابين التي يقدمونها بالحديث عن الدولة المدنية وسيادة الأمة قبل الشريعة، وإطلاق الحرية من أي قيد، وغير ذلك قد ملأت فضاء الإعلام والإنترنت.
 

ولكن جهودا حثيثة في العالم العربي الذي لم تصبه بعد عدوى الثورة تبذل لوأد الثورات التي وقعت، وإفشال حصول الشعوب على مكاسب منها؛ لإقناع بقية الشعوب بأن بقاءها على ما هي عليه أفضل من أي تغيير قد تريده.

وثمة أيضا أموال ضخمة تضخ في سبيل السيطرة على زمام السياسة في البلاد الثائرة، وشراء الذمم لتوجيه البوصلة السياسية بما لا يتناغم مع مطالب الشعوب، ومحاولات مستميتة لإقناع الغرب بأن تطبيق الديمقراطية في البلاد الثائرة، وإتاحة المنافسة للجميع، والتخلية بين الشعوب وبين صناديق الاقتراع ليست في صالح الغرب، وأنها ستجلب للمجالس التشريعية والتنفيذية وكراسي الحكم عمائم إسلامية.

والغرب يعيش حالة رجاء ممزوج بخوف، وأذنه تصغي لتخويف الحكومات العربية من تطبيق الديمقراطية، لكنها تنظر إلى الشارع فلا ترى مقبولا فيه إلا من كان إسلاميا؛ ولذا أتاح الغرب للساسة العرب أن يحتووا الثورات، ويعملوا على حجب العمائم الإسلامية عن الوصول لسدة الحكم، والتمكين لليبراليين لا قبول لهم شعبيا، كما فعل المجلس العسكري المصري حين اختطف ثمرة الثورة، وبدأ بعد سقوط الفرعون اللعب الخفي مع فلول النظام السابق لتفتيت الإسلاميين وتفريقهم، وتجنيد الإعلام لتشويه سمعتهم، وابتلعت القوى السياسية الإسلامية الطعم الماكر للمجلس العسكري حتى ضمن هذا المجلس التابع لمبارك وعصابته تفرق الإسلاميين واختلافهم فصار مع بقية العصابة يلعبون على المكشوف، ولم يفق المشتغلون بالسياسة من الإسلاميين وبقية قوى الثورة إلا ومرشح نظام حسني مبارك الفريق أحمد شفيق مرشح قوي لكسب الرئاسة ليستبدل الشعب المصري الثائر طاغوتا بآخر. وظهر للشارع المصري أن ثقته في المجلس العسكري، وفي المحكمة الدستورية، وفي من بقي من رموز النظام السابق كان خطأ فاحشا خاصة بعد الحكم اللين على حسني مبارك وأبنائه، وبعد رفض قرار العزل، مما سيتيح لشفيق إتمام السباق الانتخابي. وأدرك الثوار أيضا أنهم قد أخطئوا حين توقفوا عند حد إسقاط رأس النظام، وعدم اجتثاث النظام كله، وتطهير مؤسسات الدولة منه، وأخطئوا حين وثقوا بالمجلس العسكري الذي اختطف الحكم من الشعب ليتسلمه من حسني السابق ويسلمه لحسني اللاحق.

وكان هذا المكر الخبيث مدعوما بقوة من إعلام حسني مبارك الذي لم تجتثه الثورة، ومن أجهزة مخابراته، كما دعمته مؤسسة حسني مبارك الدينية ممثلة في شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية، ومن أدعياء السلفية في مصر الذين دعوا الناس لترشيح العلماني شفيق، بل أجاز بعضهم تولية قبطي أو امرأة على المسلمين مخالفين أبجديات السلفية لكنه الحقد على ما يسمى الإسلام الحركي أو السياسي الذي بات رأسه مطلوبا عربيا ودوليا.

وكل هذه الجهود الشيطانية مدعومة بأموال ضخمة تتدفق من الخليج. ولا يخرج هجوم شرطي دبي على الإخوان وكذلك هجوم ليبراليي الخليج عن هذا السياق، وكذلك النشاط المحموم لأدعياء السلفية في المنطقة بالهجوم على الإسلام الحركي أو السياسي، في الوقت الذي يسكت فيه عن النشاط السياسي الحركي والعسكري الصفوي، وهو المستفيد من هذه الحرب الخفية بين شعوب العالم العربي التي تريد الإسلام وبين الأنظمة وأجهزة مخابراتها التي لا تريد الإسلام.

وفي ظني -ومن خلال مجريات الأحداث في مصر- سيكون هناك انقلاب على الإسلام الحركي، ولن يسمح المجلس العسكري بتولي مرسي، ولو تولى عن طريق صناديق الاقتراع فسيرتب لانقلاب عليه بعد إيجاد المسوغات القانونية والحشد الشعبي لذلك.. وستعود الثورة من جديد؛ لأن الشعوب قد شبت عن الطوق، ولن تخضع لمن يصادر إرادتها.. والثورات الأوربية ولا سيما الفرنسية لم يحقق الشعوب مطالبهم فيها إلا بعد ثورات عدة حيث احتوت الأنظمة المستبدة آنذاك الثورات الأولى التي أطاحت بالملكية لتنشأ ملكية أخرى في صورة جمهورية كما هو الحال في الجمهوريات العربية، وظل الحراك الثوري يسقط الحكومات المنقلبة على الخيارات الشعبية حكومة بعد أخرى قرابة قرن إلى أن تم تطهير الأنظمة الأوربية من مخلفات الأنظمة الاستبدادية السابقة على الثورات، ثم استقرت الأوضاع على الخيار الديمقراطي.

وهذا الانقلاب السريع والمريع على الثورة المصرية، وإنهائها بهذا الشكل المخزي سيلقن الشعب المصري والشعوب الثائرة درسا مهما وهو أن اجتثاث النظام بكامله بما فيه رموزه العسكرية والأمنية والقضائية والمدنية ضرورة ملحة لنجاح الثورة، وأن توقف مطالب الثوار عند حد إسقاط رأس النظام فقط لن يزيل أوساخ النظام المترسبة في أجهزة الدولة. كما أنه سيعطي الإسلاميين الحركيين فهما لقذارة السياسيين والعسكريين، وعدم الوثوق بهم مهما أظهروا النصح للثائرين حال الثورة؛ فلهم حال قوة الثورة وجه، ولهم حال ضعفها وجه آخر.
 

السبت 26/7/1433


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق