السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

آخر أخبار قناة العربية

آخر موضوعات المدونة

2011-12-22

صور الاستعمار الناعم:

صور الاستعمار الناعم:
جميل أن تشيّد حكومات دول الخليج العربي المنشآت الهندسية الرائعة، كالنصب التذكارية، والمراكز التجارية، وناطحات السحاب، والفنادق، والجامعات، وحتى المساجد، التي تعبر عن الفن المعماري الراقي والتقدم العلمي والتكنولوجي المذهل، ولكن لا قيمة لهذه المنشآت الهندسية الراقية عندما يكون المهندسون المصممون لها والمشرفون على إنشائها، والعمال الذين يبنونها، والشركات المصنعة للمواد والأجزاء اللازمة لها، وفنيو صيانتها ونظافتها أجانب! لأن المنشآت الهندسية في هذه الحالة تدل أولاً على إبداع من صممها وبناها فحسب، وليس من مولها. وتدل ثانياً على تخلف دول الخليج واعتمادها على الأجانب وخصوصاً الغربيين، ليس فقط في مجال التسلح وصناعة النفط والتعليم الجامعي والتكنولوجيا، ولكن أيضاً في مجال البناء والعمران الحضري. وتدل ثالثاً على أن دول الخليج هي مستعمرات غربية، حيث تنهب الشركات الغربية الأموال العربية بطريقة ماكرة ذكية!
إن تلك المنشآت الهندسية الراقية لا تدل على الإبداع العربي، وإنما تدل على قتل الإبداع العربي، فهي من بنات أفكار المهندسين الغربيين، وتعبر عن النمط الغربي في الحياة ونظرة المهندسين الغربيين إلى فن العمارة. في الدوحة، مثلاً، تدفع حكومة قطر عشرات ملايين الدولارات للمهندسين الغربيين والشركات الغربية من أجل إقامة نصب تذكاري يتكون من صفائح حديدية طويلة ترتفع إلى نحو ثمانين قدماً في السماء، ورغم أن هذا يعد إسرافاً وإفراطاً في الترف، إلا أن المشكلة الأخطر تكمن في أن يتولى المهندسون والشركات الغربية مشروع النصب التذكاري من الفكرة وحتى التنفيذ، مروراً بالتصميم والتصنيع اللازم لإقامة ذلك النصب، في وقت تشترى الكرامة العربية بأموال الغربيين المنهوبة من العرب أنفسهم.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تعاقدت إحدى هذه الإمارات مع مهندسين غربيين وشركات غربية لإقامة عرض ضخم بالألعاب النارية احتفالاً بافتتاح مركز تجاري أقامته –من الألف إلى الياء– شركات غربية أيضاً، فعكف الخبراء والمهندسون الغربيون عدة أشهر على تصميم الألعاب النارية الخاصة بالاحتفال على أرض المركز التجاري، لترسم عند إشعالها صورة نارية في الجو لصقر كبير باسط جناحيه لعشرات الأمتار في الهواء، وهي فكرة غربية خالصة تتناسب مع ذوق الخليجيين الذين اتخذوا من الصقر شعاراً لهم، شعاراً يتناقض مع واقع تلك الدول العربية. لقد عرضت قناة "ناشيونال جيوغرافي" الإماراتية فيلماً وثائقياً عن هذا المشروع، وفي نهاية الفيلم نجح المهندسون الغربيون في تصميم الألعاب النارية، وصفق الجمهور –من الحكام ومن تحتهم من الشعبابتهاجاً برؤية الصقر الناري وهو يرتفع في الهواء، ليتحول بعد ثوان إلى دخان، وتذهب الأموال دون جدوى!
وما أقوله هنا عن المنشآت الهندسية يقال أيضاً عن التكنولوجيا والأسلحة التي تصل تكلفتها إلى مليارات الدولارات من أموال دول الخليج دون جدوى حقيقية، فلا قيمة لتكنولوجيا لا تساهم في تنمية حقيقية ومستدامة، بل تزيد من رهن الإرادة العربية للمستعمر الغربي. ولا قيمة لأسلحة ولا لطائرات حربية باهظة التكاليف لا تستخدم للدفاع عن الأمة العربية، فهي تمثل استنزافاً للمال العربي، وتفقد صلاحيتها للعمل مع مرور الزمن قبل أن تستعمل!
إن كل ما سبق يؤكد على أن الغربيين وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية إنما يبتزون حكومات دول الخليج العربي، لتسمح لهم بنهب المال العربي، وذلك مقابل أن يكف هؤلاء المستعمرون أذاهم عن تلك الحكومات وتآمرهم عليها، ولتظل تلك الحكومات جاثمة على صدور شعوبها وتتحكم في ثرواتهم!
20/12/2011
أ.د. محمد إسحاق الريفي
أستاذ الرياضيات في الاحتمالات والإحصاء
الجامعة الإسلامية بغزة
غزة، فلسطين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق