السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

آخر أخبار قناة العربية

آخر موضوعات المدونة

2015-10-25

والصَّدقةُ دواءٌ


الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، المحمودِ على كُلِّ حالٍ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خيرِ الأنامِ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.
أمَّا بعدُ؛ فالمرضُ والبلاءُ، والسَّقَمُ والعناءُ شيءٌ يكتبُه اللهُ على بني آدمَ وغيرِهم،ولكنْ معَ أنَّه سبحانه قد أنزل وكتب البلاءَ، إلَّا أنَّه جعل لكلِّ داءٍ دواءً، عَلِمه مَن عَلِمه، وجَهِله مَن جَهِله. وهذا الدَّواءُ يختلفُ باختلافِ الأمراضِ والأشخاصِ؛ فالأمراضُ الحِسِّيَّةُ لها دواؤُها، والأمراضُ المعنويَّةُ والرُّوحيَّةُ لها أيضًا دواؤُها الَّذي تَبرأُ به بتوفيقِ اللهِ جلَّ وعلا.
ومِن الأدويةِ النَّافعةِ، والعلاجاتِ النَّاجعةِ، المُيسَّرةِ، المُجرَّبةِ: العلاجُ بالصَّدقةِ؛فإنَّ للصَّدقةِ تأثيرًا عجيبًا، ونتيجةً واضحةً ومُجرَّبةً في دفعِ البلايا وشفاءِ الأسقامِ، لكن لا تَتحقَّقُ هذه النَّتيجةُ إلَّا إذا أراد العبدُ بصدقتِه هذه وجهَ اللهِ -عزَّ وجلَّ-.
يقولُ نبيُّنا المعصومُ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «حَصِّنُوا أَمْوَالَكُم بِالزِّكَاةِ، ودَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقةِ» [أخرجه الطَّبرانيُّ في «مُعجَمِه الكبيرِ» 8/464 عن ابنِ مسعودٍ رضي اللهُ عنه].
«دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقةِ» نعم، فهذا إرشادٌ نبويٌّ لكلِّ مريضٍ، وكلِّ صاحبِ بلاءٍ؛ إذا أراد الشِّفاءَ والعافيةَ؛ فعليه ببذلِ السَّببِ، وبذلِ المالِ والجاهِ لمَن يحتاجُه، وأن يكونَ في وجوهِ البرِّ والإحسانِ، فإِذَا كان كَذَلِكَ كان له من الأثرِ على النَّفسِ، وصِحَّةِ البدنِ والولدِ الشَّيءُ العجيبُ.
وكمثالٍ عمليٍّ مُجرَّبٍ، نذكرُ هنا ما نَصَحَ به أحدُ أئمّةِ المسلمين لمريضٍ اشتكى إليه، فدَلَّه على الصَّدقةِ، فبرأ بإذنِ اللهِ؛ فقد روى الإمامُ البيهقيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» [5/69] عن عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ قال: سمعتُ ابنَ المُبارَكِ وسأله رجلٌ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، قُرحةٌ خرجت في رُكبتي منذُ سبعِ سنينَ، وقد عالجتُ بأنواعِ العلاجِ، وسألتُ الأطبّاءَ، فلم أنتفعْ به؟! قال: اذهبْ فانظر موضعًا يحتاجُ النَّاسُ إلى الماءِ، فاحفِرْ هناك بئرًا؛ فإنِّي أرجو أن تَنبُعَ هناك عينٌ، ويُمسِكَ عنكَ الدَّمُ. ففعل الرَّجلُ فبَرِئَ! فكانت الصَّدقةُ من هذا الرَّجلِ سببًا لشفائِه بإذنِ اللهِ تعالى.
ومن عجيبِ ما يُذكَرُ في هذا الزَّمانِ: ما جاء عن أحدِ الأساتذةِ المِصريِّينَ أنَّه ابتُلِي بمرضٍ خطيرٍ في قلبِه، وكان لا بدَّ من إجراءِ عمليَّةٍ جراحيَّةٍ له، ولا يمكنُ إجراؤُها إلَّا خارجَ بلادِه، في بلدٍ فيه الطِّبُّ مُتقدِّمٌ، فخرج من بلدِه، ووصل إلى المشفى في البلدِ الَّذي قصده، وبعدَ إجراءِ الفحوصاتِ تَبيَّن أنَّ حالتَه خطيرةٌ، ولا بدَّ من إجراءِ عمليَّةٍ جراحيَّةٍ عاجلةٍ، وقد أخبروه بأنَّ نسبةَ النَّجاحِ فيها ضعيفةٌ! فطلب منهم الرُّجوعَ إلى بلدِه لإنهاءِ بعضِ أعمالِه، وتوديعِ أهلِه وأقاربِه، فعاد إلى بلدِه، وأنهى أعمالَه، وودَّع أهلَه، وقبلَ الرُّجوعِ لبلدِ العلاجِ بيومٍ كان يجلسُ معَ أحدِ أصدقائِه وهو مهمومٌ مغمومٌ مكروبٌ، فإذا به يرى امرأةً عجوزًا تقفُ بجانبِ بائعِ اللَّحمِ وتتلقطُ ما يقعُ منه من عظامٍ وفتاتٍ، فاندَهشَ الرَّجلُ ممَّا شاهَدَ، فنادى المرأةَ وسألها: ماذا تفعلينَ هنا؟! قالت: أَلتقِطُ الفُتاتَ كي أُطعِمَ به بناتي؛ فعندي سبعُ بناتٍ يتيماتٍ، وأُريدُ إطعامَهُنَّ، ولا أَملِكُ المالَ؛ ففعلتُ ما ترى.
فقال: وكم تَحتاجِينَ يا أُمَّاهُ؟
قالتِ العجوزُ: أريدُ نصفَ كيلو من اللَّحمِ. فاندهش الرَّجلُ وقال: نصفُ كيلو لسبعِ بناتٍ؟!! 
قالت: نعم؛ يكفينا نصفُ كيلو.
فقال لبائع اللَّحمِ: أَعطِها كيلوين من اللَّحمِ. فبكتِ المرأةُ، وجثت على رُكبتَيْها شكرًا للهِ، فاهتزَّ الرَّجلُ من المشهدِ وطلب من بائعِ اللَّحمِ إعطاءَها كُلَّ أُسبوعٍ كيلوين من اللَّحمِ لمُدّةِ سنةٍ كاملةٍ، ودفع له الثَّمنَ مُقدَّمًا، ثمَّ ترك المرأةَ رافعةً يديها وهي تستمطرُ رحمةَ اللهِ له.
وعندَما ذهب إلى البيتِ، سألته ابنتُه: ما بكَ يا أبي؟ أراك سعيدًا.
فقصَّ عليها ما حدث، فرَثَتِ ابنتُه لحالِ تلك العجوزِ وصغارها، وسَعِدت بصنيعِ والدِها، ثمّ أخذت في الدُّعاءِ والدُّموعُ تنهمرُ من عينيها: اللهمَّ أَسعِدْنا بشفاءِ والدِنا كما أَسعَدَ المرأةَ وبناتِها.
هنا يقولُ الرَّجلُ: أَحسسَتُ بسعادةٍ وقُوّةٍ ونشاطٍ في بدني، لدرجةِ أنِّي أستطيعُ أن أقومَ بأعمالٍ عظيمةٍ؛ على رَغْمِ أنَّه مريضٌ بالقلبِ، ويقولُ: وجدتُ راحةً وانشراحًا، وأحسستُ بشفاءٍ كاملٍ؛ لدرجةِ أنَّه تَردَّد كثيرًا في سفرِه لإجراءِ العمليَّةِ، ولكنَّ أُسرتَه أَصرَّت على ذهابِه لإجراءِ الجراحةِ، وكانت هناك المُفاجأةُ!
فعندَما ذهب وأَجرَى الفحوصاتِ وظهرت نتائجُها؛ اندهش الطَّبيبُ، وطلب إعادتَها مرّةً أخرى، وعندَما سأله الرَّجلُ عن السَّببِ قال: إنَّه لا يرى شيئًا من المرضِ، وإنَّه قد شُفِي تمامًا؛ فقد اتَّسع الشُّريانُ الَّذي كان يحتاجُ إلى توسعةٍ، ولا يحتاجُ الآنَ إلى الجراحةِ!!
وبعدَ إجراءِ الفحوصاتِ مرّةً أخرى، إذا بالطَّبيبِ يقفُ مُندهِشًا مذهولًا ممَّا يرى!
وعلى الفور سأل الرَّجلَ المريضَ، والدَّهشةُ مُسيطِرةٌ عليه: ماذا صنعتَ حين عُدتَ إلى بلدِك؟ هل تداويتَ هناك بنوعٍ من الأدويةِ لا نعلمُه هنا؟!!
فنظر إليه الرَّجلُ ودموعُه تُسابِقُ كلماته، وقال: لقد تاجرتُ معَ اللهِ، فشفاني!
حقًّا، إنَّ هذه هي التِّجارةُ الحقيقةُ، التِّجارةُ الرَّابحةُ المضمونةُ، ليست في جمعِ الأموالِ، وزيادةِ الأرصدةِ، وتكثيرِ المُدَّخَراتِ!
وختامًا أقولُ: ليس ثَمَّ تجارةٌ أربحُ من التِّجارةِ معَ اللهِ؛ فمَن أراد البركةَ في مالِه وذُرِّيَّتِه، والسَّلامةَ في بدنِه وصِحّتِه؛ فَلْيُتاجِرْ معَ ربِّه، وليبذلْ ويَتصدَّقْ من شريفِ مالِه، ويُدخِلِ السُّرورَ على قلوبِ الفقراءِ؛ حتَّى يُدخِلَ اللهُ على قلبِه السَّعادةَ والهناءَ.
أسألُ اللهَ لنا وللمسلمين الشِّفاءَ التَّامَّ، والعافيةَ المُستديمةَ في الدِّينِ والدُّنيا والآخرةِ. وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
بقلم
الفقيرُ إلى عفوِ سيِّده ومولاه
د. ظافرُ بنُ حسنٍ آلِ جَبْعانَ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق