السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

آخر أخبار قناة العربية

آخر موضوعات المدونة

2013-02-16

كذبت أمي عليّ ثماني مرات



************************
للكاتب : الدكتور مصطفى العقاد
ليس دائما ً: تقول أمي الحقيقة !!..
ثماني مرات : كذبت أمي عليّ !!!...


تبدأ القصة عند ولادتي ، فكنت الابن الوحيد في أسرة شديدة الفقر

فلم يكن لدينا من الطعام ما يكفينا ....

وإذا وجدنا في يوم من الأيام بعضا ًمن الأرز لنأكله ويسد جوعنا :

كانت أمي تعطيني نصيبها .. وبينما كانت تحوِّل الأرز من طبقها إلى

طبقي كانت تقول : يا ولدي تناول هذا الأرز ، فأنا لست جائعة ..

وكانت هذه كذبتها الأولى
---------------------------------------------------------------------------
وعندما كبرت أنا شيئا قليلا كانت أمي تنتهي من شئون المنزل وتذهب

للصيد في نهر صغير بجوار منزلنا ، وكان عندها أمل أن أتناول سمكة قد

تساعدني على أن أتغذى وأنمو ، وفي مرة من المرات استطاعت بفضل

الله أن تصطاد سمكتين ، أسرعت إلى البيت وأعدت الغذاء ووضعت

السمكتين أمامي فبدأت أنا أتناول السمكة الأولى شيئا فشيئا ، وكانت 

أمي تتناول ما يتبقى من اللحم حول العظام والشوك ، فاهتز قلبي لذلك ،

وضعت السمكة الأخرى أمامها لتأكلها ، فأعادتها أمامي فورا وقالت :

يا ولدي تناول هذه السمكة أيضا ، ألا تعرف أني لا أحب السمك ..

وكانت هذه كذبتها الثانية
-----------------------------------------------------------------------------
وعندما كبرت أنا كان لابد أن ألتحق بالمدرسة ، ولم يكن معنا من المال

ما يكفي مصروفات الدراسة ، ذهبت أمي إلى السوق واتفقت مع موظف 

بأحد محال الملابس أن تقوم هي بتسويق البضاعة بأن تدور على المنازل

وتعرض الملابس على السيدات ، وفي ليلة شتاء ممطرة ، تأخرت أمي 

في العمل وكنت أنتظرها بالمنزل ، فخرجت أبحث عنها في الشوارع 

المجاورة ، ووجدتها تحمل البضائع وتطرق أبواب البيوت ، فناديتها : أمي ، 

هيا نعود إلى المنزل فالوقت متأخر والبرد شديد وبإمكانك أن تواصلي

العمل في الصباح ،

فابتسمت أمي وقالت لي : يا ولدي.. أنا لست مرهقة ..

وكانت هذه كذبتها الثالثة
---------------------------------------------------------------------------
وفي يوم كان اختبار آخر العام بالمدرسة ، أصرت أمي على الذهاب معي 

ودخلت أنا ووقفت هي تنتظر خروجي في حرارة الشمس المحرقة ،

وعندما دق الجرس وانتهى الامتحان خرجت لها فاحتضنتني بقوة ودفء

وبشرتني بالتوفيق من الله تعالى ، ووجدت معها كوبا فيه مشروب كانت

قد اشترته لي كي أتناوله عند خروجي ، فشربته من شدة العطش حتى 

ارتويت ، بالرغم من أن احتضان أمي لي : كان أكثر بردا وسلاما ، وفجأة 

نظرت إلى وجهها فوجدت العرق يتصبب منه ، فأعطيتها الكوب على الفور 

وقلت لها : اشربي يا أمي ، فردت : يا ولدي اشرب أنت ، أنا لست 

عطشانة .. وكانت هذه كذبتها الرابعة
---------------------------------------------------------------------------
وبعد وفاة أبي كان على أمي أن تعيش حياة الأم الأرملة الوحيدة ، 

وأصبحت مسؤولية البيت تقع عليها وحدها ، ويجب عليها أن توفر جميع 

الاحتياجات ، فأصبحت الحياة أكثر تعقيدا وصرنا نعاني الجوع ، كان عمي 

رجلا طيبا وكان يسكن بجانبنا ويرسل لنا ما نسد به جوعنا ، وعندما رأى 

الجيران حالتنا تتدهور من سيء إلى أسوأ ، نصحوا أمي بأن تتزوج رجلا 

ينفق علينا فهي لازالت صغيرة ، ولكن أمي رفضت الزواج قائلة :

أنا لست بحاجة إلى الحب .. وكانت هذه كذبتها الخامسة
--------------------------------------------------------------------------
وبعدما انتهيت من دراستي وتخرجت من الجامعة ، حصلت على وظيفة

إلى حد ما جيدة ، واعتقدت أن هذا هو الوقت المناسب لكي تستريح

أمي وتترك لي مسؤولية الإنفاق على المنزل ، وكانت في ذلك الوقت لم 

يعد لديها من الصحة ما يعينها على أن تطوف بالمنازل ، فكانت تفرش 

فرشا في السوق وتبيع الخضروات كل صباح ، فلما رفضت أن تترك العمل

خصصت لها جزءا من راتبي ، فرفضت أن تأخذه قائلة :

يا ولدي احتفظ بمالك ، إن معي من المال ما يكفيني ..

وكانت هذه كذبتها السادسة
-----------------------------------------------------------------------------
وبجانب عملي واصلت دراستي كي أحصل على درجة الماجيستير ،

وبالفعل نجحت وارتفع راتبي ، ومنحتني الشركة الألمانية التي أعمل بها

الفرصة للعمل بالفرع الرئيسي لها بألمانيا ، فشعرت بسعادة بالغة ،

وبدأت أحلم ببداية جديدة وحياة سعيدة ، وبعدما سافرت وهيأت الظروف ،

اتصلت بأمي أدعوها لكي تأتي للإقامة معي ، ولكنها لم تحب أن تضايقني

وقالت : يا ولدي .. أنا لست معتادة على المعيشة المترفة ...

وكانت هذه كذبتها السابعة
--------------------------------------------------------------------------
كبرت أمي وأصبحت في سن الشيخوخة ، وأصابها مرض السرطان اللعين 

وكان يجب أن يكون بجانبها من يمرضها ، ولكن ماذا أفعل فبيني وبين

أمي الحبيبة بلاد ، تركت كل شيء وذهبت لزيارتها في منزلنا ، فوجدتها

طريحة الفراش بعد إجراء العملية ، عندما رأتني حاولت أمي أن تبتسم 

لي ولكن قلبي كان يحترق لأنها كانت هزيلة جدا وضعيفة ، ليست أمي

التي أعرفها ، انهمرت الدموع من عيني ولكن أمي حاولت أن تواسيني

فقالت : لا تبكي يا ولدي فأنا لا أشعر بالألم ...

وكانت هذه كذبتها الثامنة

وبعدما قالت لي ذلك ، أغلقت عينيها ، فلم تفتحهما بعدها أبدا ...
------------------------------------------------------------------------
إلى كل من ينعم بوجود أمه في حياته 
حافظ على هذه النعمة قبل أن تحزن على فقدانها ...

وإلى كل من فقد أمه الحبيبة :
تذكر دائما كم تعبت من أجلك
فلا تنساها من دعائك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق